الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
199
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
معروف للمخاطبين من أخذ الملوك والجبابرة . والعزيز : الذي لا يغلب . والمقتدر : الذي لا يعجز . وأريد بذلك أنه أخذ لم يبق على العدوّ أيّ إبقاء بحيث قطع دابر فرعون وآله . [ 43 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 43 ] أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 ) هذه الجملة كالنتيجة لحاصل القصص عن الأمم التي كذبت الرسل من قوم نوح فمن ذكر بعدهم ولذلك فصلت ولم تعطف . وقد غير أسلوب الكلام من كونه موجّها للرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى توجيهه للمشركين لينتقل عن التعريض إلى التصريح اعتناء بمقام الإنذار والإبلاغ . والاستفهام في قوله : أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ يجوز أن يكون على حقيقته ، ويكون من المحسن البديعي الذي سماه السكاكي « سوق المعلوم مساق غيره » . وسماه أهل الأدب من قبله ب « تجاهل العارف » . وعدل السكاكي عن تلك التسمية وقال لوقوعه في كلام اللّه تعالى نحو قوله : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سبأ : 24 ] وهو هنا للتوبيخ كما في قول ليلى ابنة طريف الخارجية ترثي أخاها الوليد بن طريف الشيباني : أبا شجر الخابور ما لك مورقا * كأنّك لم تجزع على ابن طريف الشاهد في قولها : كأنك لم تجزع إلخ . والتوبيخ عن تخطئتهم في عدم العذاب الذي حلّ بأمثالهم حتى كأنهم يحسبون كفّارهم خيرا من الكفّار الماضين المتحدّث عن قصصهم ، أي ليس لهم خاصية تربأ بهم عن أن يلحقهم ما لحق الكفار الماضين . والمعنى : أنكم في عدم اكتراثكم بالموعظة بأحوال المكذبين السابقين لا تخلون عن أن أحد الأمرين الذي طمأنكم من أن يصيبكم مثل ما أصابهم . و أَمْ للإضراب الانتقالي . وما يقدر بعدها من استفهام مستعمل في الإنكار . والتقدير : بل ما لكم براءة في الزبر حتى تكونوا آمنين من العقاب . وضمير كُفَّارُكُمْ لأهل مكة وهم أنفسهم الكفار ، فإضافة لفظ ( كفار ) إلى ضميرهم إضافة بيانية لأن المضاف صنف من جنس من أضيف هو إليه فهو على تقدير مِنْ